In Memoriam: Brian Johnston (April 1932-March 2013)

Brian Johnston, Professor Emeritus in the Carnegie Mellon University School of Drama and internationally recognized authority on the plays of Henrik Ibsen died on March 2 in Pittsburgh. He was eighty. His life’s journey was as interesting as it was improbable.Image

Born into poverty, he left home at the age of thirteen after dropping out of elementary school. He wandered in search of various unskilled laboring jobs in England before joining the British Army and serving three years in Malaysia. Following his discharge in 1953, he worked at other unskilled employment, and spent a year at Fircroft College, Birmingham. Professor Johnston then gained a scholarship to Cambridge University, receiving a First Class Honors Degree in 1960. From 1964 to 1968 he taught at Northwestern University, followed by positions at the University of California-Berkeley and Santa Barbara.

Unable to secure a teaching position following his return to Britain, he worked for the postal service while writing his first book The Ibsen Cycle. He went on to teach at Cambridge, Norges Laererhøgskolen in Trondheim, Norway, Jordon’s Yarmouk University and the University of Jordan, and Beirut University College. In 1986 he was teaching at the American University of Beirut. Despite being warned repeatedly by the State Department to leave, he remained at his post until he was forced to flee the country following his attempted kidnapping by Islamic Jihad in which two other American University professors were taken hostage. That same year he joined the faculty of the School of Drama, Carnegie Mellon University, and taught there until his retirement in 2007.

In addition to The Ibsen Cycle He published two other critical studies of Ibsen: To the Third Empire: Ibsen’s Early Plays (1980) and Text and Supertext in Ibsen’s Drama (1988).  Both books offered radical correctives to traditional Ibsen scholarship, and their initial critical reception ran the gamut from hostility to grudging acceptance. They are now regarded as classic texts and professor Johnston went on to edit the Norton Critical Edition of Ibsen’s plays published in 2004. His translations of Ibsen include A Doll House, Ghosts, An Enemy of the People, Hedda Gabler, The Lady from the Sea, Rosmersholm, Little Eyolf, Emperor and Galilean, and Peer Gynt. They have been produced at major professional theaters across the United States including Center Stage, Baltimore; Alliance Theater, Atlanta; Berkeley Repertory Theater; Shakespeare Theatre Company, Washington, D.C; and Alaska’s Perseverance Theater.

From 1986 to 1991 he was the editor the journal Theater Three. He has lectured on Ibsen in the United States and internationally and is the author of numerous essays and reviews in various theater magazines and journals. Four volumes of his translations have been published by Smith and Kraus.

Following his retirement Professor continued to write, traveled frequently to Britain, launched an educational website Ibsen Voyages and devoted much of his time to human rights issues, especially those of Palestinians living in the Occupied Territories.

By Barbara MacKenzie-Wood and Jim Nieson

سنونوتان في مضافة جدّي عليّان- بقلم مثنى غرايبه

لم يكن الغياب طويلاً سنة ربما، لكنها سنة لئيمة، عدت لأمر على مضافة جدي عليان في يوم جمعة عادي، دخلت فجأة الغرفتين لأجد سنونوتين تحلقان، ماذا تفعلان في غرفة أصبحت أقرب الى الخرابة!؟ هذه الحجرة التي طالما جمعت الحراثين والرعيان، واجتماعات الحزبيين، الحجرة التي افنت عمتي فيها عمرها قبل أن تعنس وهي تصنع القهوة والشاي والطبيخ لضيوف جدي، حجرة لم تزل التوتة أمام الصيباطة صامدة يأكل منها أولاد الحارة، توتة عمتي كمايل التي ما إن تزوجت حتى حاصرها السرطان، هذه الصيباطة التي ياما لعبنا عليها الورق ونحن أطفل وقطع عنا النور أبن عمي الأكبر لأنه لعب الورق

Maha and Hamdan

مها وحمدان غرايبه، علمانا معنى الحب

حرام، مع أن الهدف كان توفير الكهرباء.أظن أني سأعود عندما أكون قادرا

عمي صلاح عاد من سوريا طبيباً في الخمسينات، والأنكى من ذلك شيوعياً، جلس في مضافة جدي يتحدث عن حرية المرأة، ووالدي سعيد بما يقول، وجدي يستمع: “يعني يا ولد لو بكرا صاحبك مسك بأيد مرتك ومشي معها مابيش عندك مشكلة؟” “أيوا يابا” “يلعن أبوك واحد عرص بلشفيك” مضافة جدي عليّان، وعمّي حمدي الذي تعلم العزف على السكسافون، معقول فلاح أبن قرية يعزف على السكسافون، هذا ماكان وما لم يعد موجوداً، عمّي حمدي لبست بناته النقاب، ويؤمن بأنه الموسيقى حرام، ليست مضافة جدي وحدها التي تحولت إلى خرابة. 

 ختلفت الدنيا في حوّارة ومضافة جدي، الكهرباء، ذلك الجني الذي اقتحم البيوت وأذهل البشر، دخل مضافة جدّي هذا الشبح عام ١٩٦٥  لتطول السهرات أكثر، وليختلف نوع الضيافة: “تشربوا شاي، ولا ناظيلكو الكهربا” لم يكن النور الساطع سوى كبتاً لبعض الأبداع، بعد أن ابتدع عمي محمد طريقة لأطفاء فانوس الكاز دون ان يقوم من فراشه، جاءت لمبة الكهرباء المخيفة المرعبة التي لا يستطيع أن يتعامل معها إلا برهبة.

ليلة القبض على قلب فاطمة، السابع من نيسان ١٩٦٦، ذكرى تأسيس البعث، وليلة القبض على أبنائه في الأردن، قبض قلب فاطمة عندما اعتقلت السلطات أخوانها وأعمامها، النساء جئن يأخذن بخاطر جدتي، لكن بالطبع ليس مكانهن بالمضافة، جدتي التي أعمى بصرها البكاء، على ولد غادر ولم يعد وأبن أخت اعتقل، وولد لم تكف نقود جدي ليدرس أي شيء فاضطر أن يكون جندياً وكان والدي. السنونوتان كانتا بسواد عيون جدتي المطفأة

حزيران ١٩٦٧، والدي عاد من الجبهة، محمد الحجي، سليمان الخلف، حمد طناش في مضافة جدي، يلعنانه، لم يلقَ توبيخاً في حياته أشد من هذا، من طيزي بتنتصروا، يلعنك على هالترباية وطيت راسنا” “والله يابا ما كان بأيدي، حتى طلبوا منا نترك سلاحنا ونمشي وما رظينا حتى الذخيرة الفاضية لميناها” سمعتوا قال خليل الجميل روح من رام الله على مرته بدو يوكل ملوخية، بهدلته وقالتله ما أبرد وجهك، مسلّم فلسطين وجاي توكل ملوخية عندي” مضافة جدي لم يعد يحكى فيها أي قصص لا الأنتصارات ولا الهزائم. جندياً حليق الرأس، غليط البسطار ورقيق القلب كما لم يزل حتى الآن، والدي عاد بعد اسبوعين من الغياب إلى مضافة والده، المفروض أنه في الشام يدرس الطب، هكذا توقعت جدتي، كان ينقصه خمسة دنانير فقط ليذهب إلى دمشق، ولم يحصل عليها،: “بدك تصير هامل تبع حزوبات زي أخوك، خلّيك هون بدي أياك جنبي” عمي الممنوع من العودة لمضافة جدي منع والدي من مغادرتها

 ٢٥ أيار ١٩٧١ يوم حار وقاتل، كأن جدتي كان ينقصها فوق عماها جلطة في الدماغ، والدي عائد من الجيش، يومها إبن عمي السمج كان يسمع هاني شاكر المقيت، ومذ ذاك اليوم ووالدي وأنا نكرهه، جدتي بقيت ستة وعشرين يوماً في الفراش، بعدها امتلأ مضافة جدي بالذكور الذين يعزّون بأنثى حبلت تسع عشرة مرة وولدت أغلبهم وقت الحصاد في البيدر ليموت أغلبهم، جدتي التي طالما قالت: ” كل أنت واطعم ابنك خرا، عمره لقدام وعمرك لورا” جدتي التي ربما لم تشبع بحياتها لتطعم أبنائها، كانت تقولها دون أن تفعلها يوماً، جدتي ذهبت وتركت مضافة جدي يملأها الرجال، جدتي العمياء كان لديها بعض البصيرة، هي كانت فقط جدتي، التي لم أرها.

جدي يضحك ويسرد الحكاية كأنه بعيد عنها: “قال أبو طلال السومي رجع لقا مرته طابخه بندورة وكوسا، يحرق دينك ما بتخافي من الله، طابخه صنفين” كأن غير زوجة أبو طلال كنّ يطبخن أكثر، كانت الفريكة الطعام الأكثر انتشاراً، فليس هناك سوى القمح وكان نوع من الترف أن تذبح دجاجة لتؤكل، فهذا النوع من الطعام لا يقدم سوى للضيوف، هذه الأيام هناك الكثير من الدجاج والطعام ولكن ليس أي منها في مضافة جدي.

مها الصالح قادمة لزيارة بيت عمتها، وحمدان العليان قادم من العسكرية كعادته جائع وليس في البيت شيء يؤكل، مها بنت المدينة مواليد فلسطين وترباية السلط، يعني أنها تعرف أكثر عن مفهوم الطعام والسلطات، هناك بعض البقدونس في حديقة المضافة، وبعض الطحينة التي لا يدري أحد كيف كانت في بيت جدي، كانوا يشترون الطحينة بالكاسة من الدكان، حمدان جوعان، وفرصة مها التي طالما أذهلها أن تتقرب إليه بطريقة ما، ” أعملّك بقدونسية” طبق من البقدونس والطحينة لفت انتباه حمدان لمها فكنت أنا. حمدان المثقف الذي يقرأ كيف سقينا الفولاذ يمكن أن تسرق قلبه ضحكة في لحظة جوع للضحك.

خط النفط بين حيفا وبغداد انتهى، جاء الأنجليز لغسل المواسير، ففي حوارة لا زال الناس يشربون من الآبار، كان الماء هاجساً لكل الفلاحين، أتدرون لماذا كان سطل الماء ثقيلاً، لكي لا يحس من ينشل الماء أن بإمكانه أخذ ما يشاء من الماء بسهولة، هكذا ظل هاجسهم حتى الآن، بير دار فرحان عند مضافة الحج عليّان، والحج عليّان بيره عند دار حسين المحمود، ولا أحد يدري ما المنطق في ذلك، كانوا يجبرون أنفسهم على الشعور بالضيق عند استهلاك الماء فيبعدونه عن متناولهم، ففي كل خطوة نحو المسجد أو الماء حسنة. جاء الأنجليز، غسلوا انابيب النفط على ظهور الفلاحين، صار وصار في كل منزل حنفية، ولكن لم يستطع أحد في مضافة جدي أو غيرها أن يتجاهل قيمة البئر، فيا ويل عمتي إن صنعت إبريق الشاي من ماء الحنفية. بير الحج عليان حوّله أحد أبنائه إلى حفرة امتصاصية، ألم أقل أن المضافة ليست وحيدة في تحوّلها إلى خرابة.

حمدان ومها يتركان الغرفة والمطبخ والمرحاض في شارع أيدون في أربد، ويشتريان بعد الكثير من الكمبيالات والديون دار صبحي العقلة، غرفتان وحمام ومطبخ بسقف صفيح خارجهما، فإن إرادا شرب قهوة الصباح، عليهما أن يخرجا تحت المطر للوصول إلى المطبخ وصنع القهوة والعودة، وسقف الحمام المصنوع من الصحيف مليء بالثقوب نتيجة الصدأ، لكن المهم أصبح لهما بيتاً ملكاً في قريتهما، وبدون معاونة من عليّان الذي كان خجلاً ومحرجاً وهو يجلس في مضافته: “يابا يا حمدان، ما انت عارف بعد العدسات والقمحات اللي خسرناهم ببيروت ما ضل بيدي   إشي”

١٩٨٠،حمدان ومها لم ينتظرا أحد، مزيد من الكمبيالات ويد عاملة بالمجان، برهان الذي أصبح يحمل الدكتوراة في هندسة الجينات، وعبد الله الفليّح الذي أصبح مهندساً كيمياوياً وزينب الخليل، بأيديهم بنوا المرحاض والمطبخ الملتصقان بالدار، ليحميهما من برد الشتاء ونظرات الحاقدين، فالجار كان ينظر حاقداً، هذا الذي تعوّد أن يحسد الكلب على ظل زير الماء أو بالأحرى “يحسد الكلب على فية الخابية” بالفلاحي. حمدان ومها صار لهما بيتاً وعليّان في مضافته يملؤه الفخر.

An Iraqi and Israeli Iraqi

In 1982, I was among a group of Yarmouk University Jordanian students who were attending The First Arab Youth and Environment meeting in Cairo. Delegates from several Arab countries came and we felt the Egyptians just wanted another meeting in Cairo to say the Arabs have forgotten Camp David and they are back to our bosoms. Cairo post-Camp David agreement had some Israeli tourists and we happened to share a hotel (The Nile Hotel; Nasser days grand thing) with a small group of them. A police officer was stationed in the lobby and I saw that he escorted them on their bus tours. One day after the sessions, we stopped at the Lobby desk for the keys, and this couple who looked like they are typical Middle Easterners in their mid 50s, were curious and started chatting. I said I am from Jordan. They said they were originally from Baghdad and I remember the name Souq El Shurjeh came up. Israeli Jews of Arab origin. Wow! The woman was talking in a nostalgic if not sad tone and concluded by saying “Inshallah Yeseer Salam” [Inshallah there will be peace] and we get to visit Iraq again. A little Iraqi delegate was reading the newspaper and obviously listening to the discourse but was not saying much till then. He interrupted her by shouting “La Salam w La Kalam. Nelteqi Weyakum Ala El Jabhah.” [No peace (or greetings); no words between us. We meet at the front]. Dead silence. I was between shocked that he was so direct and mean to a couple of tourists who were being just polite or shooting the breeze; and between admiring the fancy words of combat “no words. we meet at the front.”

I went back to my room. Minutes later, the door knocks. It was the other Iraqi delegate. He worked (I can’t remember his name now, Dr. Khalid?) with the Iraqi Red Crescent. He was attending the meeting because at that time “environment” or “ecology” or “recycling” were totally new concepts. Anyway, a nice, older man, who wore glasses and has a fair complexion that for sure, not the typical Iraqi. He was staying in a room on my floor. He had a box of Iraqi sweets in his hand and he said I want to ask you a favor. I said sure. He said, please keep this between us. Can you go and offer some of the sweets to the couple who just talked to us? I was puzzled. Why don’t you go and offer them yourself? He said “Aini” [my eye or dear friend] the guy who shouted at them today is the [Iraqi] intelligence guy they sent with us. If he sees me talking to these tourists, that will be a very bad thing! He said: please, just offer them some. They will like it, they mentioned Souq El Shurjeh! We knew they were 3 doors or more down the corridor. I did. They loved the gesture. I don’t remember if they asked who offered it but I remember them recognizing the sweets. Men El Sama in Arabic? something like a white Nougat with cardamom? I thought to myself. Peace is possible. No matter how many nut jobs each side has. Human spirit will prevail at the end.

The Happy Prince- Oscar Wilde

الأمير السعيد
أوسكار وايلد
ترجمة أحمد الصادق

أعلى المدينة ، وعلى قاعدة عمودية طويلة ، وقف تمثال الأمير السعيد .
كان مطلي برقائق رفيعة من الذهب الخالص النقي ، وكانت عيناه جوهرتين زرقاوين ملتمعين ، وقد استقرت ياقوتة ضخمة حمراء تتوهج على مقبض سيفه .

لقد كان محل إعجاب على مدى واسع بحق .
فعلق عليه أحد أعضاء مجلس المدينة : ” إنه لجميل جمال ديك الرياح* ” متمنياً أن يحصل على سمعة حسنة في التذوقات الفنية ، وأضاف : ” ولكنه غير مفيد بالمرة ” مخافة أن يعتقد الناس أنه غير عملي ، حيث أنه في الحقيقة لم يكن .

وقالت أم ، حساسة الشعور ، لابنها الصغير الذي كان يبكي طالباً شيئاً مستحيلاً : ” لمَ لا يمكنك أن تصبح مثل الأمير السعيد ؟ إن الأمير السعيد لم يبكي أبداً طلباً لأي شيء “

وغمغم رجل مُخَيَّب الآمال وهو يحدق إلى التمثال الرائع : ” إني مبتهج لوجود شخص ما في العالم سعيد بالفعل “

وقال أطفال المؤسسة الخيرية : ” إنه يبدو كَمَلَك بالضبط ” حيث خرجوا من الكاتدرائية* لابسين عباءات قرمزية لامعة ومآزر بيضاء نظيفة بلا أكمام .
فرد عليهم أستاذ الرياضيات : ” كيف عرفتم ؟ أنتم لم تشاهدوا ملكاً مطلقاً ” فأجابوا : ” حسناً .. ولكننا شاهدناهم في أحلامنا ” فعبس أستاذ الرياضيات وبدا متجهما للغاية ، حيث أنه لم يتقبل فكرة أحلام الأطفال .

***
ذات ليلة ، طار سنونو* صغير أعلى المدينة ، وكان قد ذهب أصحابه إلى مصرمنذ ستة أسابيع ، ولكنه تخلف عنهم ، لوقوعه في حب مع أجمل قصبة . لقد قابلها في أوائل الربيع ، حيث كان يطير بمحازاة النهر وراء فراشة صفراء كبيرة ، وكلن معجباً ومفتوناً بخصرها الرفيع ، حتى أنه توقف عن الكلام معها .
” هلا بادلتيني الحب ؟ ”
قالها السنونو الذي أحب أن يدخل في صميم الموضوع دون مقدمات . فانحنت له القصبة في انخفاض ، فطار حولها لامساً المياه بجناحيه ، صانعاً مويجات فضية . تلك كانت مغازلته . وظل هكذا طيلة فصل الصيف .

سقسقت الخطاطيف الأخرى في ثرثرة : ” إنها لعلاقة عاطفية سخيفة .. إنها لا تملك نقوداً ، ومتعددة العلاقات إلى حد بعيد ” وبالفعل ، كان النهر ممتلئ عن آخره بالقصب . وعندما أتى الخريف ، طاروا بعيداً كلهم .

بعدما ذهبت الخطاطيف ، شعر بالوحدة ، وبداً يضجر من محبوبته ، وقال : ” إنها لا تحادثني ، وإني لأخشى أن تكون قصبة مغناج* ، فإنها تتراقص دائماً في غزل مع الرياح ” وبالطبع ، فكلما هبت الرياح ، كلما صنعت تلك القصبة هذه الانحناءات المحترمة الرشيقة للغاية . تابع السنونو : ” إني أسلم بأنها تحب مكانها ، ولكني أحب الترحال ، وبناءً على ذلك يجب على زوجتي أن تحب الترحال أيضاً “

” هل ستذهبين معي بعيداً ؟ ”
قال ذلك أخيراً لها ، ولكن القصبة هزت رأسها ، وكانت مرتبطة جداً بوطنها .

فصاح فيها” لقد كنتِ تافهة / عابثة معي .. إني لذاهب إلى الأهرام ، وداعاً ” وطار بعيداً .

طار طوال النهار كله ، وفي الليل وصل إلى المدينة ، وقال : ” أين يا ترى سأهبط بالضبط ؟ أتمنى أن تكون للمدينة إعدادات “

ثم رأى التمثال على القاعدة العمودية الطويلة ، وصاح : ” سأنزل هنا ، إنه لموقع حسن ذو وفرة من الهواء النقي ” وهكذا حط بالضبط بين قدمي الأمير السعيد .

” إن لدي سرير ذهبي ” قالها بنعومة لنفسه وهو ينظر حوله ، واستعد للخضوع للنوم ، ولكن بينما كان يضع رأسه تحت جناحه ، سقطت قطرة كبيرة من الماء عليه ، فصاح : ” يا له من شيء غريب ! إنه لا وجود لسحابة واحدة في السماء ، والنجوم واضحة جداً ولامعة ، وحالياً تمطر ! إن مناخ شمال أوروبا لمفزع حقاً .. القصبة اعتادت أن تحب المطر ، ولكن هذا كان مجرد لأنانيتها لا غير “

ثم سقطت قطرة أخرى .

” ما فائدة التمثال إذا كان لا يصد الأمطار ؟ ” قالها السنونو : ” يجب أن أبحث عن مدخنة جيدة ” وعزم أن يطير بعيداً .

ولكن قبل أن يفتح جناحيه ، سقطت قطرة ثالثة ، فنظر أعلاه ، ورأى .. !
حسناً ، ماذا رأى ؟

كانت أعين الأمير السعيد مملوءة بالدموع ، والدموع كانت تنهمر أسفل وجنتيه الذهبيتين . كان وجهه جميلاً للغاية في ضوء القمر ، حتى أن السنونو الصغير بدا في قمة الشفقة .

قال السنونو : ” من أنت ؟ “

– ” أنا الأمير السعيد “

سأله السنونو : ” ” فلماذا تبكي إذن ؟! لقد بللتني تماماً “

أجابه التمثال : ” عندما كنت حياً وأملك قلب إنسان ، لم أكن أعلم للدموع طريقاً . فقد عشت في قصر (سانس – سوسي) sans-souci حيث لا مكان للحزن .. في الصباح كنت ألعب مع رفقائي في الحديقة ، وفي المساء أبدأ الرقص في الردهة الكبيرة . حول الحديقة التف سور شامخ للغاية ، ولكني لم أهتم بمعرفة ماذا يركد وراءه ، فكل شيء عندي ويخصني كان جميلاً جداً . حتى أن رجال الحاشية دعوني الأمير السعيد . وحقاً قد كنت سعيداً ، إذا كانت اللذة هي السعادة .. هكذا عشت ، وهكذا مت . والآن وقد مت ، وضعوني هنا في هذا الارتفاع الأقصى ، حيث يمكنني رؤية كل الفظائع البشعة وكل البؤس والتعاسة لدي مدينتي . ومع ذلك قلبي صُنِع من رصاص . والآن ، لا يمكنني أن أختار سوى البكاء “

قال السنون في نفسه : ” ماذا ! أليس هو مصمت ذهباً ؟ ” لقد كان كيساً جداً في حرصه على عدم اطلاق أي تعبير شخصي بصوت عالٍ .

” على بُعد كبير ” تابع التمثال كلامه في نغمة موسيقية خفيفة : ” على بعد كبير ، في طريق صغير ، هناك بيت فقير . أحد النوافذ مفتوحة ، ومن خلالها يمكنني أن أرى امرأة جلست نحو منضدة ، وجهها رفيع وهزيل ، ولديها يدين خشنتين حمراوين ، مثقوبتين من أثر الإبرة ، فهي حائكة ، تطرز شكل أزهار الآلام على رداء من ساتان سيذهب إلى أحب وصيفة من وصائف الملكة لترتديه في الحفل الملكي القادم . وفي ركن الغرفة ، يرقد ابنها الصغير في السرير مريضاً . عنده حمى ويريد برتقالاً . وأمه ليس لديها شيء لتعطيه له سوى ماء النهر ، وها هو يبكي . يأيها السنونو ، يأيها السنونو .. أيها السنونو الصغير ، ألن تحضر لها الياقوتة الحمراء التى على مقبض سيفي ؟ إن قدمي مثبتة بإحكام بهذه القاعدة ولا يمكنني أن أتحرك “

فقال السنونو : ” ولكن هناك من ينتظرني بمصر . أصدقائي يطيرون أعلى وبمحاذاة النيل ، ويكلمون أزهار اللوتس الضخمة . وقريباً سيذهبون للنوم في مقبرة الملك العظيم . الملك هناك بنفسه في تابوته الملون ، ملفوف بكفن أصفر من الكتان ، ومحنط بالتوابل ، وحول رقبته سلسلة من اليشم* الشاحب ، ويداه كأوراق الشجر الذابلة “

” يأيها السنونو ، يأيها السنونو .. أيها السنونو الصغير ” قالها الأمير : ” ألن تبقى معي لليلة واحدة ، وتكون رسولي ؟ إن الصبي عطشان جداً ، والأم في غاية الحزن “

أجاب السنون : ” أنا لا أعتقد أني أحب الصبيان .. في الصيف الماضي ، عندما كنت ماكثاً على النهر ، كان هناك صبيان مشاغبان ، أولاد الطحان . كانا يقذفان الأحجار علىَّ دائماً ، ولكنهما لم يصيباني في أي مرة . فبالطبع ، نحن الخطاطيف نطير بعيداً جداً لأجل ذلك . غير أني أنحدر من عائلة مشهورة بخفة حركتها وسرعة بداهتها . ولكن ما حدث ، كان علامة على عدم الإحترام “

ولكن الأمير السعيد بدا حزيناً جداً ، وأشفق عليه السنونو وقال : ” الجو شديد البرودة هنا ، ولكني سأنتظر معك لليلة واحدة ، وأكون رسولك “

قال الأمير : ” شكراً لك أيها السنونو الصغير “

وهكذا نزع السنونو الياقوتة الضخمة من سيف الأمير ، وطار بها بعيداً أعلى سطوح المدينة ، ممسكاً إياها بمنقاره .

لقد مر بميدان الكاتدرائية ، حيث نُحتت الملائكة الرخامية البيضاء . ومر بالقصر وسمع صوت الرقص . فتاة جميلة تأتي إلى الشرفة بمرافقة محبوبها ، ويقول لها : ” ما أروع النجوم .. ما أعجب قوة الحب “

فتجيبه : ” آمل أن يكون ثوبي جاهزاً للحفل الملكي .. لقد أمرت أن تُطرز أزهار الآلام عليه ، ولكن الخياطين كسالى جداً “

مر السنونو فوق النهر ، ورأى المنارات وهي تهدي صواري المراكب . ومر فوق الغيت * ، ورأى اليهود المسنين يتقايضون مع بعضهم ، ويزنون النقود في كفوف الميزان النحاسية . أخيراً وصل إلى البيت الفقير ونظر داخله . كان الصبي يرتجف على سريره من الحمى ، والأم قد غلبها النوم ، كانت متعبة جداً . قفز السنونو ، و وضع الياقوتة الضخمة على المنضدة بجوار كشتبان السيدة . ثم طار بخفة حول السرير يهوي جبهة الصبي بجناحيه . فيقول الصبي : ” كم أشعر بالانتعاش ! لابد أني أتحسن ” ويغوص في سبات لذيذ .

ثم طار السنونو عائداً إلى الأمير السعيد ، وأخبره بما فعله ، وعلق قائلاً : ” غريب .. إني أشعر بالدفء الآن ، رغم أن الجو بارد جداً “

فقال الأمير : ” هذا لأنك فعلت فعلاً حسناً ” فبدأ السنونو في التفكير ، ثم راح في النوم . التفكير دائماً ما يجعله نعسان .

عندما مضى اليوم ، طار أسفل النهر واستحم .
” يا لها من ظاهرة غير عادية ! ” قالها أستاذ علم الطيور عندما كان يعبر الجسر : ” سنونو في الشتاء !! ” وكتب رسالة طويلة عن ذلك للجريدة المحلية . الكل استشهد بها على أنها مليئة بكلمات لم يستطيعوا أن يفهموها .

قال السنونو مبتهجاً عند ذلك المنظر : ” إني لذاهب الليلة إلى مصر ” لقد زار كل المعالم والآثار المدنية ، وجلس لمدة طويلة على قمة برج الكنيسة ، أينما ذهب تسقسق العصافير ، وتقول لبعضها : ” يا له من غريب مميز ! ” فنعم بنفسه كثيراً .

وعندما بزغ القمر ، طار راجعاً إلى الأمير السعيد . وصاح : ” ألديك أي تكليف لي بمصر ؟ إني على وشك الرحيل “

” يأيها السنونو ، يأيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ” قالها الأمير : ” ألن تبقى معي لليلة أخرى ؟ “

أجاب السنونو : ” ولكن هناك من ينتظرني بمصر .. غداً سيحلق أصحابي فوق الشلال الثاني . فرس النهر يضطجع هناك وسط نباتات البردي ، وعلى عرش جيرانيتي عظيم يجلس الإله ممنون . طيلة كل ليلة يشاهد النجوم ، وعندما يشرق نجم الصباح يبكي باطلاق من شدة السعادة ، ثم يصمت . وعند الظهر تهبط الأسود الصفراء عند حافة المياه لتشرب . لديهم عيون مثل البريل* الأخضر ، وزئيرهم أعلى من هدير الشلال “

” يأيها السنونو ، يأيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ” قالها الأمير : ” بعيداً عبر المدينة أرى شاباً في الحجرة العلوية . إنه يستند على مكتب مغطى بالأوراق ، وبجانبه كأس به باقة من البنفسج الذابل . شعره بني متموج ، وشفتاه حمراوان مثل الرمان ، ولديه عينان واسعتان حالمتان . إنه يحاول أن ينهي مسرحية لمخرج المسرح ، ولكنه يتجمد برداً ولا يستطيع أن يكتب بعد الآن . لا توجد نيران في المدفأة ، والجوع قد أضعفه وأصابه بالدوار “

” سوف أنتظر معك لليلة أخرى ” قالها السنونو الذي يحمل بحق قلباً طيباً : ” هل آخذ له ياقوتة أخرى ؟ “

قال الأمير : ” واحسرتاه ! لم يعد لدي ياقوت .. كل ما لدي الآن هما عيناي . إنهما مصنوعتان من صفير* نادر مجلوب من الهند منذ آلاف السنين . اقتلع واحدة منهما وخذها له . سوف يبيعها للصائغ ، ويشتري طعاماً وحطباً للنار ، وينهي مسرحيته “

قال السنونو : ” أيها الأمير العزيز ! .. لا أستطيع أن أفعل ذلك ! ” وبدأ في البكاء .

” يأيها السنونو ، يأيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ” قالها الأمير : ” افعل كما آمرك “

وهكذا اقتلع السنونو عين الأمير ، وطار إلى حجرة الطلاب العلوية . كان سهلاً بما في الكفاية لأن يدخل ، حيث كان هناك ثقب في السطح ، اندفع كالسهم من خلاله ، ودخل في الغرفة . قد دُفِنَت رأس الشاب بين يديه ، فلم يسمع رفرفة جناحي الطير ، وعندما رفع رأسه وجد الجوهرة الزرقاء ترقد على البنفسج الذابل .

فصاح : ” لقد بدأت أُقَدَّر حق قدري .. هذا من بعض المعجبين العظام . الآن يمكنني إنهاء مسرحيتي ” وبدا سعيداً للغاية .

في اليوم التالي طار السنونو إلى المرفأ . جلس على سارية مركب هائل ، وشاهد البحارة يسحبون صناديق كبيرة قد رُبِطَت بالأحبال ، صائحين : ” هيلا ، ارفع ! ” مع كل صندوق يتم رفعه . وصاح السنونو : ” إني ذاهب إلى مصر ! ” ولكن لم يعره أحد اهتماماً . وعندما بزغ القمر ، طار عائداً إلى الأمير السعيد .

” لقد جئت لأودعك ” قالها السنونو في التماس .

” يأيها السنونو ، يأيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ” قالها الأمير : ” ألن تبقى معي لليلة أخرى ؟ “

أجاب السنونو : ” لقد حل الشتاء ، والجليد البارد في طريقه إلى الوجود . في مصر الشمس دافئة على سعف النخل الأخضر ، والتماسيح تركد في الطين ويحرسون أنفسهم بكسل . رفقائي يبنون عشاً في معبد بعلبك ، ويشاهدهم الحمام الوردي والأبيض ويسجعون لبعضهم . عزيزي الأمير ، يجب أن أتركك ، ولكني لن أنساك أبداً ، وفي الربيع القادم سوف أحضر لك جوهرتين جميلتين لتحل محل ما قد أخرجته . الياقوتة ستكون أكثر حمرة من الزهرة الحمراء ، والصفير سيكون أزرق كزرقة البحر العظيم “

” في الميدان ” قالها الأمير : ” تقف فتاة صغيرة بائعة أعواد ثقاب . لقد سقطت أعوادها في البالوعة ، وقد تلفت جميعها . سيضربها أبوها إن لم تحضر بعض المال إلى البيت ، وها هي تبكي . إنها حافية وبلا جوارب ، ورأسها الصغير عارٍ . اقتلع عيني الأخرى وأعطها إياها ، فلن يضربها أبوها عندئذٍ “

قال السنونو : ” سوف أبقى معك لليلة أخري ، ولكن لا يمكنني أن أقتلع عينك . ستصبح أعمى تماماً هكذا “

” يأيها السنونو ، يأيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ” قالها الأمير : ” افعل كما آمرك “

وهكذا اقتلع العين الأخرى للأمير ، واندفع بها كالسهم . انطلق ماراً فوق الفتاة بائعة أعواد الثقاب ، وأفلت الجوهرة لتسقط في راحة يدها ،. فصاحت الفتاة الصغيرة : ” يالها من كسرة زجاج جميلة ” وركضت إلى بيتها ضاحكة .

ثم رجع السنونو إلى الأمير . وقال : ” إنك مكفوف الآن . لذا فسأبقى معك دائماً “

فقال الأمير المسكين : ” لا أيها السنونو الصغير . يجب عليك أن ترحل إلى مصر “

” بل إني سأبقى معك دائماً ” قالها السنونو ، ونام بين قدمي الأمير .

طوال اليوم التالي جلس على كتف الأمير ، وظل يخبره بقصص ما قد رآه في المدن الغريبة . فأخبره عن طيور أبي منجل* الحمراء ، التي تقف في صفوف طويلة على ضفاف النيل ، ويلتقطون أسماكاً ذهبية بمناقيرهم . وعن أبي الهول القديم قِدم العالم نفسه ، والذي يعيش في الصحراء ، ويعرف كل شيء . وعن التجار الذين يمشون ببطء بجوار إبلهم ، ويحملون سبح كهرمانية بين أيديهم . وعن ملِِك جبال القمر ، الأسود سواد الأبنوس ، والذي يبجل بلورة ضخمة . وعن الحية الخضراء العظيمة التي تنام في نخلة ، ولديها عشرون كاهناً يطعمونها بكعك العسل . وعن الأقزام الذين يبحرون في بحيرة كبيرة على أوراق نباتية عريضة ، ودائماً في حالة عراك مع الفراشات .

قال الأمير : ” عزيزي السنونو الصغير ، لقد أخبرتني بأشياء عجيبة ، ولكن الأكثر عجباً من أي شيء هو معاناة الرجال والنساء ، فليس هناك لغز أعظم من البؤس . حلِّق فوق مدينتي أيها السنونو ، وأخبرني بما ترى “

وهكذا حلَّق السنونو فوق المدينة الواسعة ، ورأى الأغنياء يمرحون في بيوتهم الجميلة ، بينما المتسولون يجلسون عند البوابات . وطار بين الأزقة المظلمة ، ورأى الأوجه البيضاء للأطفال المتضورين جوعاً . يبدون فاترين في الشوارع الكحلاء . تمدد صبيان تحت قنطرة الجسر محتضنين بعضهما للحفاظ على دفئهما ، ويقولان : ” كم نحن جوعى ! ” ويزعق الخفير فيهم : ” يجب ألا تستلقيا هنا ” فهاما خارجين تحت المطر .

ثم طار عائداً إلى الأمير وأخبره بما رآه .

” إني مغطى بذهب خالص ” قالها الأمير : ” يجب أن تخلعه ، رقاقة تلو الرقاقة ، ثم أعطهم لفقرائي . فدائماً ما يظن الناس الأحياء أن الذهب يمكنه إسعادهم “

فنزع السنونو الذهب الخالص ، الرقاقة تلو الرقاقة ، حتى بدا الأمير السعيد رمادياً وباهتاً تماماً . رقاقة تلو الرقاقة من الذهب النقى أحضرها إلى الفقراء ، فأصبحت وجوههم أكثر نضرة ، وأخذوا يضحكون ويلعبون الألعاب في الشارع ، ويصيحون : ” لدينا الخبز الآن ! “

ثم تساقط الثلج ، وبعد الثلج أتى الصقيع . بدت الطرق وكأنها صُنِعت من الفضة ، كانت براقة جداً ومتلألئة . وتدلت كتل جليدية كالخنجر البلوري أسفل طُنُف البيوت . الجميع يجولون بملابس مبطنة بالفرو ، وارتدى الصبية الصغار قلانيس قرمزية منصرفين على الجليد .

بات السنونو المسكين شاعراً بالبرد أكثر فأكثر ، ولكنه لم يترك الأمير ، فلقد أحبه حباً جماً . والتقط فُتات الخبز من خارج باب المخبز حيث لم يكن الخباز ناظراً . وحاول جعل نفسه دافئاً برفرفة جناحيه .

ولكن أخيراً ، علم أنه في طريقه إلي الموت . وبالكاد كانت لديه قوة لأن يطير إلى كتف الأمير مرة أخرى . وهمس : ” وداعاً عزيزي الأمير .. هل تدعني أُقَبِّل يدك ؟ “

فقال اتلأمير : ” إني لمسرور لذهابك إلى مصر أخيراً ، أيها السنونو الصغير .. لقد بقيت لمدة طويلة ها هنا ، ولكنك يجب أن تقبلني من شفتيَّ ، لأني أحبكَ “

” ليست مصر هي التي سأذهب إليها ” قالها السنونو : ” إني لذاهب إلي بيت الموت . الموت شقيق النوم ، أليس كذلك ؟ “

ثم قبل الأمير السعيد من شفتيه ، وسقط ميتاً عند قدميه .

في هذه اللحظة سُمِع صوت انشقاق غريب داخل التمثال ، كأن شيئاً قد كُسر . الحقيقة أن القلب الرصاصي قد انقصف إلى نصفين . بالطبع كان متجمداً بشكل مفزع .

في الصباح الباكر لليوم التالي كان المحافظ يمشي في الميدان مع فرقة من أعضاء مجلس المدينة . وعندما مروا بالقاعدة العمودية ، نظر أعلى إلى التمثال وقال : ” ياللخيبة ! كم يبدو الأمير السعيد بالياً ! “

” بالياً بالفعل ! ” قالها أعضاء مجلس المدينة صائحين ، موافقين على ما يقوله المحافظ دائماً ، ثم اشرأبوا ناظرين إلى التمثال .

قال المحافظ : ” لقد سقطت الياقوته من سيفه ، وذهبت عيناه ، ولم يعد مذهباً بعد الآن .. في الحقيقة ، إنه أقرب شأناً من شحاذ ! “

” أقرب شأناً من شحاذ ! ” قالها الأعضاء .

تابع المحافظ : ” وفي الواقع هناك طائر ميت عند قدمه .. ويجب علينا حقاً أن نصدر بلاغاً بأنه غير مسموح للطيور بأن تموت هنا ” وقام كاتب المدينة بتدوين هذا الاقتراح في مذكرة .

وهكذا سحبوا تمثال الأمير السعيد أرضاً . وقال دكتور الفنون الجميلة بالجامعة : ” إنه لم يعد جميلاً ، فلم يعد ذا فائدة “

ثم أذابوا التمثال في الفرن ، وقام المحافظ بتحديد زيارة إلى مجلس المدينة ليقرر ماذا يُفعل بالمعدن . وقال : ” بالطبع يجب أن نحصل على تمثال آخر .. وسوف يكون تمثالاً لي “

” تمثالاً لي ! ” قالها الأعضاء ، ثم تنازعوا . وكان آخر ما سُمِع منهم أنهم مازالوا يتنازعون .

” ياله من أمر غريب ! ” قالها مشرف عمال المسبك : ” هذا القلب الرصاصي المكسور لن ينصهر في الفرن . يجب أن نلقيه بعيداً ” فالقوا به على كومة من الثرى حيث كان يرقد كذلك السنونو الميت .

***
” أحضر لي أنفس وأعز شيئين في المدينة ” قالها الله إلى أحد ملائكته ، فأحضر له المَلَكُ القلبَ الرصاصي والطائر الميت .

فقال الله : ” لقد أصبت الاختيار ، ففي جنة فردوسي سيغني هذا الطائر الصغير إلى الأبد ، وفي مدينتي الذهبية سوف يمجدني الأمير السعيد “

_________________________

الهوامش :

ديك الرياح* : أداة على شكل ديك لإظهار اتجاه الريح .
الكاتدرائية* : كبرى الكنائس في مدينة معينة (أبرشية) ، وتشتمل على عرش الأسقف .
السنونو* : طائر طويل الجناحين مشقوق الذيل (خطاف) .
مغناج* : ” امرأة ذات دلال تحاول أن تجذب الرجال إرضاءً لغرورها .
اليشم* : (حجر كريم) مصطلح عام يشمل مجموعة من المعادن الصلدة التي تتدرج ألوانها من الأبيض تقريباً إلى الأخضر الداكن .
الغيت* ” الأمير السعيد ” . أوسكار وايلد . ترجمة أحمدghetto) حي اليهود (أو الأقليات) بمدينة .
البريل* : (beryl)حجر كريم أخضر اللون عادةً .
الصفير* : (sapphire) ياقوت أزرق اللون .
أبو منجل* : (الحارس) طائر مائي طويل القائمتين والمنقار .

My Yellow Suit- By Raja’ Batarseh

The Yellow Suit


My Yellow Suit is a heartfelt memoir of a resilient woman’s struggle with obesity and food addiction, and her never-ending attempts to attain inner peace and happiness. It is an enlightening and inspiring book for people battling weight issues and addictive behaviors, as well as for those seeking self-growth and philosophical life lessons. The Yellow Suit Diet, in addition to valuable findings and guidelines regarding weight-loss, stress management and self-motivation are also compiled in this personal story.

“Throughout the last 30 years, I turned into a lab rat, experimenting with various fad and balanced diets, using appetite-suppressants, exercising vigorously, undergoing countless therapy sessions, reading self-help books and even resorting to surgery – all in a relentless determination to win my battle with weight. But did any of these measures work? Did I find the missing piece to my puzzle? Was gaining happiness as hard as losing weight?”

Raja’ Batarseh

http://www.myyellowsuit.com/

لماذا تغيّر طعمُ التفاح ؟؟ إبراهيم جابر إبراهيم/ جريدة الغد ١٤-٣-٢٠٠٩

لماذا تغيّر طعمُ التفاح ؟

إبراهيم جابر إبراهيم، جريدة الغد الأردنيه ١٤ أذار ٢٠٠٩

لمن يعرف عمان قبل 40 سنه واكثر

زمان كانت أسماؤنا أحلى، ورائحة البامية تتسرب من شبابيك البيوت، وساعة الجوفيال في يد الأب العجوز أغلى أجهزة البيت سعراً وأكثرها حداثة، وحبات المطر أكثر اكتنازاً بالماء، زمان كانت أخبار الثامنة أقلّ دموية، وطريق المصدارأقل ازدحاماً بشاحنات الأثاث، كانت غمزة سميرة توفيقأكثر مشاهد التلفزيون جرأة، ومجلس النوابحلماً يداعب اليسار المتشدد، وأجرة الباص قرشين، والصحف تنشر كل أسماء الناجحين بالتوجيهي، كان المزراب يخزّن ماء الشتاء في البراميل، وكُتّاب القصة ينشرون مجموعات مشتركة، وحلو العرس يوزع في كؤوس زجاجية هشّة تسمى مطبقانيات” والجارة تمدّ يدها فجرا من خلف الباب بكوب شاي ساخن للزبّال فيمسح عرقه ويستظلّ بالجدار

زمان.. كانت “الشونة الشماليةآخر الدنيا، وفكر واربحأهم برامج المسابقات، ولم نكن نعرف بعد أن هناك فاكهة تتطابق بالاسم مع منظف الأحذيةالكيوي” وأننا يوماً ما سنخلع جهاز الهاتف من شروشه ونحمله في جيوبنا

كانت القضامة المالحة توصف علاجاً للمغص، والأولاد يقبّلون يد الجار صباح العيد، والبوط الصيني في مقدمة أحلام الطلبة المتفوقين!
كانت أخبار الأسبوعلصاحبها عبد الحفيظ محمد أهم الصحف وأجرأها على الإطلاق، وألمانيا” بلد الأحلام

حين تصحو على صوت “مازن القبجأوسمراء عبدالمجيد” وظهرا تسمع كوثر النشاشيبيومساءً تترقب ابراهيم السمان” والتلفزيون يغلق شاشته في موعد محدد مثل أي محل أو مطعم


كانت مدينة الأهلي للالعاب السياحيةفي رأس العين هي وجهة الأثرياء، والسفر الى صويلح يحتاج التحضير قبل يومين، والجامعة الأردنية بلا شقيقات

حين كانت أقلام “البك الأحمر هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الحب قبل اختراع الموبايلات، وعندما كانت المكتبات تبيع دفاتر خاصة للرسائل اوراقها مزوّقة بالورد، أما الورد ذاته فكان يباع فقط في جبل عمان،, الحي الأرستقراطي الباذخ في ذلك الزمان

كانت جوازات السفر تكتب بخط اليد، والسفر الى الشام بالقطار، وقمصان النص كمللرجال تعتبرها العائلات المحافظة عيبا وتخدش الحياء!

كانت البيوت تكاد لا تخلو من فرن ابو ذان وأبو حجرالحديدي، والأمهات يعجنّ الطحين في الفجر ليخبزنه في الصباح، والأغنام تدق بأجراسها أن بائع الحليب صار في الحي، كان مسلسل وين الغلطلدريد ونهاد يجمع الناس مساء، ومباريات محمد علي كلايتجمعهم في سهرات الثلاثاء وكان نبيل التلّيأفضل لاعب هجوم في كرة القدم!
كانت الناس تهنئ أو تعزّي بكيس سكّر أبو خط أحمروزن مئة كيلو غرام، والأمهات يحممّن الأولاد في اللكن، والقرشلّةيحملها الناس لزيارة المرضى!

كان الانترنترجماً بالغيب لم يتوقعه أحذق العرّافين ولو حدّثتَ أحدا يومها عن العدسات اللاصقة لاعتبرك مرتدّاً أو زنديقاً تستحق الرجم، أما الماسنجرفلو حملته للناس لصار لك شيعة وأتباع!!

حين كان مذاق الأيام أشهى، ومذاق الشمس في أفواهنا أطيب والبرد يجعل أكفّ التلاميذ حمراء ترتجف فيفركونها ببعضها، كان زهير النوباني في دور مقبول العقديأعتى رمز للشر قبل أن يعرف الناس أن في الغيب رجلاً يدعى جورج بوش

كانت لهجات الناس أحلى، وقلوبهم أكبر، وطموحاتهم بسيطة ومسكينة وساذجة!الموظفون ينامون قبل العاشرة،, والحزبيون يلتقون سراً والزوجة في يوم الجمعة تخبئ كبدة الدجاجة وقوانصها لتقليها للزوج دلالة على تدليله

الشمس كانت أكثر صرامة في التعامل مع الصائمين،, والثلج لم يكن يخلف موعده السنوي، كانت الحياة أكثر فقرا وبرداً وجوعاً، لكنها كانت دائما خضراء!

و تسألني : ليش تغيّر طعمُ التفاح؟

مع تحيات د. برهان غرايبه  / بتسبرغ/ بينسيلفانيا اميركا

 



الذكرى السابعه لرحيل المفكر العربي الكبير الدكتور إدوارد سعيد

تصادف يوم 25 أيلول/سبتمبر 2010 الذكرى السنويـّة السابعة لرحيل إدوارد وديع سعيد (1935–2003). ولد إدوارد سعيد بالقدس يوم الأوّل من نوفمبر 1935 وأتمّ دراسته الثانوية بكلية فكتوريا بمصر، والبكالوريوس من جامعة برنستون عام 1957 والماجستير ثمّ الدكتوراه من هارفارد عام 1964. عمل أستاذاً بجامعة كولومبيا بمدينة نيويورك باللغة الإنجليزية والأدب المقارن. كان إدوارد سعيد حاد الذكاء وبليغ العبارة واللسان بأكثر من لغة، وتمكّن بفصاحته بالإنجليزية وقوّة حجّته أن يخدم المجتمع الفلسطيني والعربي خدمةً لا تعادلها خدمة. كان مثالاً وسيبقى مثالاً يحتذى لباقي العرب في مخاطبتهم للآخرين وخصوصاً الغرب وكيف يمكن للعرب أن يوصلوا وجهة نظرهم بفعالية ولباقة وإحترام ودون عدوانية أو تهديد ودون الإسائة إلى قضيتهم بالتعصّب والتطرّف والإرهاب.

توفي بسرطان الدم عام 2003 عن 67 عاماً تاركاً وراءه أعمالاً خالدة أهمّها: الإستشراق–1978، مسألة فلسطين–1979، العالم، النص، والناقد–1983، بعد السماء الأخيرة–1986، الثقافة والإمبريالية–1993، سياسة التجريد–1994، الإسلام الأصولي في وسائل الإعلام الغربية من وجهة نظر أمريكية–1994، تمثلات المثقف–1994، غزة -أريحا: سلام أمريكي–1995، أوسلو : سلام بلا أرض–995، تعقيبات على الاستشراق–1996 و مذكّراته/سيرته الذاتيه “بلا موطن” أو “في غير مكان”-1999.

لك الرحمة وطيب الذكر يا إدوارد سعيد

مع إحترامي،

د. نعمان محمّد غرايبه، الولايات المتحدة